ابراهيم بن عمر البقاعي

527

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

مقرن ، واتفقوا على أن يصوموا النهار ويقوموا الليل ولا يناموا على الفرش ولا يأكلوا اللحم ولا الودك ولا يقربوا النساء والطيب ويلبسوا المسوح ويرفضوا الدنيا ويسيحوا في الأرض ويترهبوا ويجبّوا المذاكير ؛ فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فقال لهم : ألم أنبأ أنكم اتفقتم على كذا وكذا ؟ قالوا : بلى يا رسول اللّه ! وما أردنا إلا الخير ، فقال : إني لم أومر بذلك ، إن لأنفسكم عليكم حقا ، فصوموا وأفطروا . وقوموا وناموا ، فإني أقوم وأنام ، وأصوم وأفطر ، وآكل اللحم والدسم ، ومن رغب عن سنتي فليس مني ؛ ثم جمع الناس فخطبهم فقال : ما بال أقوام حرموا النساء والطعام والطيب والنوم وشهوات الدنيا ! أما ! إني لست آمركم أن تكونوا قسيسين ورهبانا ، فإنه ليس في ديني ترك اللحم والنساء ولا اتخاذ الصوامع ، وإن سياحة أمتي الصوم ، ورهبانيتهم الجهاد ، واعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئا وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان ، فإنما هلك من كان قبلكم بالتشديد ، شددوا فشدد اللّه عليهم ، فأولئك بقاياهم في الديارات والصوامع ، فأنزل اللّه تعالى هذه الآية ، فقالوا : يا رسول اللّه ! فكيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟ وكانوا حلفوا على ما عليه اتفقوا ، فأنزل اللّه عز وجل قوله تعالى لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ » « 1 » [ المائدة : 89 ، والبقرة : 225 ] ، ولا تعارض بين الخبرين لإمكان الجمع بأن يكون الرجل لما سمع تذكير النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سأل ، ولو لم يجمع صح أن يكون كل منهما سببا ، فالشيء الواحد قد يكون له أسباب جمة ، بعضها أقرب من بعض ، فمن الأحاديث الواردة في ذلك ما روى البغوي بسنده من طريق ابن المبارك في كتاب الزهد عن سعد بن مسعود « أن عثمان بن مظعون رضي اللّه عنه أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : ائذن لنا في الاختصاء ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : ليس منا من خصي ولا اختصى ، إن خصاء أمتي الصيام ، فقال : يا رسول اللّه ! ائذن لنا في السياحة ، فقال : إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل اللّه . فقال : يا رسول اللّه ! ائذن لنا في الترهب ، فقال : إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد انتظارا لصلاة » « 2 » وللشيخين والترمذي والنسائي والدارمي عن سعد بن أبي

--> ( 1 ) ذكره الواحدي في أسباب النزول ص 153 ، 154 وأخرجه الطبري في تفسيره 12349 عن السدي . . . فذكره . وأصل هذا الخبر عند البخاري 5063 ومسلم 1401 والنسائي 6 / 60 والبيهقي 7 / 77 وابن حبان 14 وأحمد 3 / 241 و 259 ، 285 والبغوي 96 كلهم من حديث أنس بن مالك ولفظه : « أن نفرا من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سألوا أزواج النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن عمله في السر ، فقال بعضهم : لا أتزوج ، وقال بعضهم : لا آكل اللحم . وقال بعضهم : لا أنام على فراش فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال : ما بال أقوام قالوا كذا وكذا لكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني » . ( 2 ) ضعيف . أخرجه ابن المبارك في الزهد 845 بسنده عن سعد بن مسعود أن عثمان بن مظعون . . . فذكره . وفي إسناده رشدين بن سعد ضعفه الحافظ في التقريب .